كاتب ومدرس كتابة

لماذا لا تكتب رغم أنك تريد ذلك؟ دليلك لتجاوز عقبات البداية!

لأبدأ معك من نجيب محفوظ، الروائي الذي كتب عشرات من الروايات، ومئات من القصص والمقالات، الرجل الذي أحال القاهرة فجعلها كتباً تُقرأ وصفحات تُلتهم، وأنجز شيئاً مهولاً في حياته الأدبية، على صعيد الكم، وعلى صعيد النوع والجودة كذلك.

نجيب محفوظ رجل مدهش بسبب كمّ ما أنتجه ونوعه، ولكن الأكثر إدهاشاً هو أن إرثه الضخم هذا لم يكن نتاج عبقرية فاقعة، ولا جهد متواصل آناء الليل وأطراف النهار، بل كان ثمرة روتين صارم وممكن التطبيق، ساعتان من الكتابة في اليوم، خمسة أيام في الأسبوع، ستة أشهر في السنة! هذا أمر ما أسهل أن يُكتب، وما أشقّ أن يحافظ المرء عليه! 

وكان نجيب محفوظ مستعداً ليفعل كل ما يلزم من أجل الحفاظ على هذا النسق من العمل الصارم، حتى إنه أبى أن يسافر لتسلّم جائزة نوبل عام ١٩٨٨ خشية أن يكسر هذا السفر نظام حياته اليومي كسراً يصعب تداركه!
الذي يحول بينك وبين أن تكون كاتبًا هو أن تبدأ للمرة الأولى. والذي يحول بين الكاتب وبين أن يكون منتجًا عظيمًا هو أن يبدأ جلسة كتابية كل يوم.
لا تنس هذه القاعدة وأنت تتذكر الانضباط الذي عاش وفقه نجيب محفوظ، نجيب محفوظ لم يكن معجزة، بل كان يتخطى عقبات البداية كل يوم، عاش عمره وهو يجلس ويكتب، ثم يجلس من الغد ويكتب، ثم يجلس من بعده ويكتب، وهكذا..  ويستمر بانضباط صارم، بغضّ النظر عن كل شيء آخر.

لو أنه تردد، أو اعتذر، أو انشغل بما هو “أهم” من الكتابة؛ لربما لم نعرفه، بل أجزم لك أن هناك عشرات لا يقلّون موهبة ولا قدرةً عن نجيب محفوظ، يحملون حسًا أدبيًا فريدًا، وذاكرة يقظة، وموهبة كامنة، ولغة بديعة، وأدمغة عميقة الغور، لكنهم لم يبدؤوا، أو بدؤوا ثم انقطعوا، أو بدؤوا ثم خجلوا مما كتبوه فامتنعوا عن المواصلة، وخسروا وخسرنا معهم أدباء رائعين، وأدباً جميلاً.

في هذه التدوينة، سنواجه عقبات البداية، ونحلل الموانع التي تقف بين الكاتب وبين قلمه وإبداعه.. فلنتوكل على الله!

عقبات البداية: لماذا لا تكتب رغم أنك تريد؟

هنا أقدم لك خمسة أسباب تحول بينك وبين البدء.. وكيف يمكنك أن تتخطاها.. 

١. الخوف.. شيطان يقتل الإبداع:

الخوف هو العدو الأول للكتابة، والعب الأعظم للكتّآب، لكنه عدو هامس لا صارخ.. شيطان يوسوس في أذنك قائلا: 

  • “ماذا لو لم تكن كتابتك جيدة؟”
  •  “ماذا لو سخر الناس من أفكارك؟”
  • “ماذا لو خيّبت ظنّك بنفسك؟ ألا تفعل ذلك دائماً؟”. 

هذا همسٌ خبيثٌ يتسلل إلى الذهن، فإذا أنت تحسب الذهاب إلى الكتابة ذهاباً إلى المشنقة.. وإذا الخوف يتعاظم، فلا تخاف أ٫ تكتب، بل تخاف أن تتخيل نفسك كاتبًا من الأساس.

الخوف يتغذى على الصمت، وينمو بالهجران، كل يوم تمر دون أن تكتب، يزداد خوفك من معاقرة القلم، ويزداد عبء الكتابة ثقلاً نفسياً قبل أن يكون ثقلاً لغوياً.. تخيل كاتبًا يحمل فكرة لرواية عاش تفاصيلها، أو تأملًا في تجربة شخصية غيرت حياته، لكنه لا يجرؤ على كتابتها لأنه يسأل نفسه: “من أنا لأكتب؟”. كم قارئاً سيُحرم من نص قد يلهمه؟ وكم كاتباً سيظل غائبًا في سراديب العدم لأن الخوف أقنعه أنه لا يستحق الظهور؟

كيف تهزم خوفك؟ خطوتان فارقتان:

  • اكتب لنفسك أولًا: لا تفكر في القارئ ولا الناقد. اكتب كما لو أنك تنجز مهمةً سرية! وبعد الفراغ من الكتابة يمكنك أن تقرر ما تفعله بالنص: تمزقه، تنشره، ترسله لصديق لا يثير رعبك.. كل أولئك خيارات ممكنة، عليك فقط أن تتجاوز خوف البداية.
  • تقبل العيوب: سنة الحياة أن البدايات ضعيفة.. ها أنت تمشي منتصب القامة لا تخشى أن تتعثر، لكن لو تذكرت طفولتك لعرفت أنك لم تولد قادراً على المشي، االكتابة تعلم دائب، وترقٍّ مستمر، وصعود تدريجي.

٢. ضعف الثقة بالنفس: حين تكون أنت ناقدك الأقسى!

أعرف منشداً، تعرفه أنت كذلك، الله يستر علينا وعليه، لكني أعرفه شخصياً، وأعرف أنه رغم صوته الأخاذ، وأدائه المدهش، ومعرفته بفنون النغم، وصيته الذائع، يعيش أزمة ثقة عميقة بنفسه وموهبته التي سلخ في تنميتها سنين عدداً.. 

وأعرف واحدةً من الطالبات في أحد برامجي التدريبية، تكتب روائع البيان التي تذهلني شخصياً، وأضطر لقراءتها مرتين أو ثلاثاً كي أستكشف جمالياتها البيانية، ولكن المدهش أني لا أستطيع العثور على شيء قامت هذه الطالبة بكتابته إلا بعد عناء شديد، لأنها تعتبر هذا الذي أبدعته أناملها “كلاماً فارغاً” لا يستحق إلا أن تسعّر به النار!

وربما أنت كذلك. قد تمتلك المهارة، واللغة، والرغبة، لكنك لا تؤمن بقدراتك الكتابية:

  • تكتب الجملة، ثم تمحوها.
  • تنشر نصًا، ثم تحذفه.
  • تعرض كتابتك لصديق، ثم تندم.
  • تدور في دائرة نجسةٍ ونكدةٍ من النقد الذاتي الموجع، كل إنجاز ناقص، وكل كل جميل قبيح، والسبب أنه صادر عنك وحسب!

والحقيقة أن قلة الثقة بالنفس كفرٌ بالنعمة، لأنها لا تعني أنك لا تصلح للكتابة، بل تعني أنك لا تريد أن ترى نفسك كما يجب، ولا أن ترعى نعمة الله عليك كما يجب.

هذه الحالة القبيحة تجعل عملية التعلم مستحيلة، إذ الكتابة تقتضي التجربة، والخطأ، والتعرض للإشادة والانتقاد، لكن إذا كنت تخشى أن تخطئ فلن تجرب. وإذا لم تجرب، فلن تتعلم.. وربما امتدحك قومٌ فوجدت نفسك تشكك في صدقهم، لأن صوت النقد الداخلي أعلى في أذنك من كل شيء.

كيف تبني ثقتك بنفسك: خطوات فارقة:

  • احتفل بمنجزاتك الصغيرة: اكتب مئة كلمة كل يوم، وامدح نفسك على إكمالها، حتى لو لم تعجبك.
  • صدّق ما يقوله الخبراء:  انظر من تثق برأيهم، وتصدّق أقوالهم في الكتابة، وتحسن الظن بذائقتهم الأدبية ،واعرض عليهم ما تكتب، وألزم نفسك تصديق ما قالوا، سواء كان مدحاً أو قدحاً، فإن كان مدحاً فهذا المراد، وإن كان قدحاً فهذا ليس جديداً عليك! إذ أنت تفعله بنفسك كل يوم.
  • قارن نفسك بنفسك: ولا تقارن كتابتك بكتاب عظماء، بل قارن نفسك اليوم بنفسك البارحة، واندم لأنك لم تصبح أقل سوءاً.

٣. ازدراء الذات.. من يهتم بقصتي؟

بعض الكتاب لا يشككون في لغتهم فقط، بل في قيمة تجاربهم كلها!  يقول قائلهم: “حياتي عادية”، “لم أعش ما يستحق الكتابة”، “من يهتم بما أكتب؟”. مفترضاً أن الكتابة تشترط حياة استثنائيةً، ملأى بالمغامرات ومتخمة بالمآسي! 

لكن هذا وهم، والحقّ أن النصوص العظيمة ما هي إلا نتاج تأمل عميق في حياة “عادية” سواء كانت حياة الكاتب أو حياة الأبطال الذين يكتب الكاتب عنهم. ولو أردت مثالاً؛ فانظر إلى نجيب محفوظ، الذي كتب عن أناس عاديين في حارات القاهرة: البقال، الموظف، الأم. وليس الذي جعل كتابته شيئاً مذكوراً إلا أنه استطاع أن يوثّق العادي بلغة أنيقة.. واستطاع أن يجعل ما يحدث في البيت والسوق والزقاق والجامع والتكيّة والنيل.. مادة للكتابة.

وانظر إلى أرسكين كالدويل الذي صار روائياً لا يمكن تجاوزه في أميركا، لأنه كتب عن حياة الناس العاديين في ولايات الجنوب الأمريكي.

واقرأ “اعترافات لص مجوهرات محترف“، و”مكتب البريد“، و”اختراع العزلة” لتعرف أن العاديّ يمكن أن يشكل رواية جميلة، وسيرة ذاتية معبرة، وتجربة ملفتة.

لا يخلو إنسان من تجربة تستحق أن تعاش، ومن أفكار تستحث أن تناقش، ومن خيال يستحق أن يدوّن، ومن ذكريات تستحق أن تستعاد، ومن عائلة تستحق أن تقدّر، ومن تاريخ شخصي في البيت والحارة والمدرسة يستحق أن يدوّن، لكن -وما أمرّ لكن- لا تخطر الكتابة لمعظم الناس على بال، وهكذا نهدر أعماراً كان يمكن أن تضيف قراءتها إلى كل من قرأها عمراً جديداً فوق عمره.. 

كيف تقدر ذاتك؟

  • اكتب عن تفاصيل حياتك: جرب أن تصف يومك بكل حواسك. لتكتشف أن “العادي” مليء بالجمال.
  • لا تحقرن نفسك: حتى الحياة الهادئة يمكنك أن تجد فيها ما لا يستطيع غيرك أن يجده.
  • اقرأ كتابات غير مبهرجة: اقرأ قصصًا قصيرة لكتاب مثل تشيخوف أو أليس مونرو، وانظر إليهما وإلى أمثالهما كيف يصنعان من اللاشيء فناً.

٤. الكسل: عدو الفاعلية الأول:

لم يتعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكسل عبثاً، فهو قاتل للفعالية، وهو سكون حيث تنبغي الحركة، وحركةٌ في غير موضعها اللائق بها! 

والكاتب الكسول لا يبدأ الكتابة؛ لا لأنه لا يستطيع، ولا لأنه لا يرغب، بل لأنه لا يريد، لا يريد أن يبذل الجهد الذي يبنغي، وحين يصبح الكسل نمطاً دائماً، يصبح مشكلةً عسيرة، فتصبح الكتابة مهمة مؤجلة لا تنجز أبداً!

يمكن أن تكتب حين تكون كسولاً، يمكن أن تنتج رغم أنك كسول، ولكنك بفعل ذلك تحرم نفسك من نعمة التمركز الصحيح، ومن فضيلة الانضباط المطّرد، ومن راحة العادة الراسخة، والإنتاج الكثير.. ودعني أذكرك ثانيةً أن نجيب محفوظ لم ينتج كثيراً لأنه مشحون بالإلهام على الدوام، بل لأنه جعل الكتابة جزءًا من نظامه اليومي، واجب يؤديه بغض النظر عن شعوره تجاهه.

كيف تتغلب على الكسل؟ خطوة واحدة فارقة!

التزم التزاماً كبيراً بمهمة صغيرة: اكتب عشر دقائق يوميًا، ثم زد الجرعة حين لا تصبح هذه الدقائق العشر تحدياً.

٥. سوء إدارة الأولويات: حين تعطي الكتابة فضلة الوقت والاهتمام:

كم مرة أجلت الكتابة لأن “هناك ما هو أهم”؟ ليكن، فالكتابة ليست الصلاة حتى ألومك على أنك لم تجعلها أولوية.

لا أحد يلومك إن لم تكتب اليوم.. لكن إن كانت الكتابة شيئاً مهماً لديك كما تقول لنفسك؛ فإن عليك أن تفكر بعض الشيء، وأن تقول لنفسك: لماذا أنا هكذا، أزعم أني أريد أن أكتب، ثم أنا أؤجل الكتابة يوماً وراء يوم، شهراً بعد شهر، عاماً تلو عام.. وفي قرارة نفسي أشعر أن العمر تسرب، وأني لم أنجز ما أبتغي إنجازه من الكتابة.
لا ينبغي للكتابة أن تكون أهم من لقمة عيشك، ولا ارتباطاتك الضرورية، ولكن عليك أن تسأل نفسك بصدق: إن كنت تدير وقتك كما يجب، وإن كانت الأمور التي تقدمها على الكتابة تستحق التقديم عليها حقاً؟ لا أريد ضرب أمثلة على ما تضيع فيه الأوقات ويهدر فيه الزمان.. لكني أخبرك أن من يضع الكتابة في ذيل قائمة مهامه؛ لن يصل إليها أبدًا.

كيف تدير أولوياتك؟ ثلاث خطوات تصنع فرقا:

  • خصص وقتًا ثابتًا: مثل نجيب محفوظ، اختر ساعتين يوميًا للكتابة، واجعلهما مقدسين.
  • قلل التشتت: أغلق الهاتف أو استخدم تطبيقات تمنع التصفح أثناء الكتابة.

ذكّر نفسك بالهدف: لماذا تريد الكتابة؟ هل لتعبر عن نفسك؟ لتحكي قصة؟ تذكر هذا الهدف ليمنحك دافعًا.

ختام القول.. أن الكتابة قرار، قرار أن تبدأ، وأن تكون شجاعاً في مواجهة مخاوفك، حازماً في مجابهة كسلك وترددك، وأن تنظم وقتك، وأن تتذكر أن نجيب محفوظ وغيره من عظماء الكتّاب لم يكونوا بشراً خارقين في قدراتهم، بل كانوا حازمين في التزامهم!

اللحظة المثالية لن تأتي، هذا ما علمتنيه التجربة، انتظار اللحظة المثالية تضييع فارغ للوقت وخداع رخيص للنفس، ابدأ الآن ولا تنتظر أن تتحسن الظروف، اكتب ولو صفحة، كفقرة، جملة، كلمة، عوائق البداية كثيرة، وعوائق الاستمرار أكثر، لكن الكتابة تستحق أن يقاوم المرء من أجلها..

بالتوفيق.

ابحث

اكتشاف المزيد من عبدالله بن عمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading