كاتب ومدرس كتابة

أريد أن أكتب نصوصاً أدبية نثرية وروايات طويلة شيقة، ولكن جل ما أستطيعه الآن هو الكتابة عن يومياتي، فماذا عساي أن أفعل حتى أتقمص دور الكاتب الذي يكتب عن الموضوعين المذكورين سلفاً؟

ريم

أهلا بك ريم، سأجيبك عن هذا السؤال، وأحب أن أفتتح الحواب بقصة شخصية، قصة من الإخفاق الخالص!

قرأت مرةً روايةَ “فتيان الزنك”، وهي رواية تترك ندوباً في نفس قارئها ولا بد، وتتناول قصصاً كثيرةً لجنود روس عادوا من أفغانستان في توابيت مغلقة، كان كل فصل يحكي شذرة من مكان ما، من شخصية مختلفة، وقصة مغايرة. شعرتُ وقتها أن الموضوع مقدور عليه، وقلت لنفسي: لم لا أكتب رواية كهذه؟

وأخذت أتخيل البطل، شاباً مكياً يحب أن يسافر في أرض الله الواسعة، فيحط عصا التسيار في كيرالا بالهند، ويرسل رسائل إلى عائلته وإلى صديق له، تشكّل كل رسالة فصلاً من فصول الرواية. أسميت الرواية “خارج العالم”، وأخذت أكتب، وأكتب، وأكتب، حتى إذا أتممت سبع آلاف كلمة؛ انقطع حبل أفكاري، وكلّ قلمي، وأضربت عن المواصلة، وشعرت يومها أن كتابة الرواية أمر عسير علي.

عرفت لاحقاً لماذا أخفقت، بعدما قرأت كتاب “فن كتابة السيناريو”، فوجدت فرانك هارو يوصي بأن يضع المرء تصوراً لقصة “الفلم”، قبل أن يخوض التفاصيل، ووجدته يحذّر من الخوض المرتجل في كتابة ما يسمسه دهاقنة السيتاريو “الاستمرارية الحوارية” قبل أن يرسم مسار القصة بشكل عام.

لكن همتي لم تبلغ أن أعود إلى مشروع روائي آخر، ولا أعرف إن كانت ستبلغ هذا الشأن ثانيةً أم لا.

هل يكفيكِ هذا مقدمةً للجواب وتأطيراً له؟ أود فقط إخبارك بأني مجرد روائي فاشل، لا أعرف إن كانت الأم التي تجهض جنينها في الأسبوع السابع تعتبر نفسها أماً أو لا!

المهم.. دعيني أخبرك بشيء مهم جداً، واعتبريه الوصية الأولى.. سأضعها بالبنط العريض كي لا يتجاوزها أحد دون انتباه:

 

١. لا تنتقلي من كتابة اليوميات إلى كتابة الرواية.. بل انتقلي “مع” كتابة اليوميات إلى كتابة الرواية:

وسأخبرك لماذا؟ كنت قبل شهور في لقاء مع مجموعة من خريجي رحلة الكتابة، تكلم “بلال بستاني”، وأخبرنا أنه لقي الروائي اللامع أيمن العتوم، وحادثه، فأخبره العتوم، وهو من هو أدباً وقلماً وفكراً، أنه لا يتخلى أبداً عن كتابة يومياته، وأن كتابة اليوميات مهما بدت تفاصيلها عاديةً، تحسّن قلم الكاتب وتجعله روائياً أفضل!

أود إخبارك يا ريم أنّ كتابة اليوميات تقوي كاتب الرواية كما يقوّي الريش الصغيرُ الريش الكبير.. لا أعرف إن كنتِ قد حظيت بتشريح جثمان حمامة، لكني حظيت بذلك في طفولتي، كان تشريحاً غير شرعي وغير كامل، لكني على الأقل استطعت أن أرى كيف يبدو جناح الحمامة من الجهة الأخرى، كان مفاجئا لي وجود ريش متفاوت الأحجام، وكان الريش الصغير في الداخل.. خفياً لا يُرى، لكن له أثره بالتأكيد في تقوية جناح الحمامة.

وأعود ثانية، إلى الوصية الأولى: لا تنتقلي من كتابة اليوميات إلى كتابة الرواية، بل انتقلي مع اليوميات إلى الرواية.

وصحيح أني فاشل في كتابة الرواية، لكني لست كذلك في قراءتها ولا تذوقها.. وأستطيع أن أخبرك بأن الروائي الناجح يحتاج اليوميات من أجل رفع سويّة قلمه. وذلك لأسباب كثيرة.. سأذكر لك بعضها:

  1. الرواية مشروع كتابي ثقيل ضخم، يقتضي انضباطاً، وكتابة اليوميات بانتظامٍ واطرادٍ تقوّي هذا الانضباط وتؤكده، وتعزز في وجدانك هوية الكاتب، وهذا أمر مهم جداً.
  2. كتابة اليوميات نظام، وكتابة رواية ما هدف، والنظام أبقى أثراً من الهدف، وأفضل لهمتك الكتابية، وأدوم لممارستك.
  3. كتابة اليوميات تجبرك على أن تلاحظي ما يحدث في يومك وليلتك، أن تفتحي عيون الاهتمام، وتطلقي قرون الانتباه لكل تغيير، ولكل تعبير، ولكل وجه جديد تلقينه، ولكل شيء يختلج في صدرك. والملاحظة سلاح إستراتيجي في جعبة كل روائي.
  4. كتابة اليوميات تجعلك أكثر فهماً لنفسك، وأقدر على الغوص العميق في سراديبها وتفاصيلها.. وهذا يجعلك أقدر على بناء الشخصيات، والإسرار إلى القارئ بما تحدثه به نفسه.. وهذا ليس بالقليل في عين كل روائي.
  5. أخيراً، لا آخراً، فإن كتابة اليوميات تجعلك معتادة على تجاوز رعب الصفحة الفارغة، وتخطي حاجز الكلمة الأولى، وهذا يعني رصيد ضخم جداً من الثقة بقدرتك على تجاوز هذا الحاجز المرعب الذي سيواجهك لا محالة حين تشرعين في محاولاتك الروائية.

هذا مقنع إن شاء الله، وهو كاف ليحملك على الاستمرار في كتابة اليوميات، حتى بعد أن تصبحي روائية.

 

ليس هيناً أن يصبح كاتب اليوميات روائياً:

إن كانت كتابة اليوميات تشبه خوض مباراة في “بلاي ستيشن”، فإن كتابة رواية تشبه خوض مباراة حقيقية في كأس العالم! هناك فارق ضخم بين الكتابتين، وما تقتضيه كل منهما لمن شاء أن يأخذ كتابة الرواية بحقها.

فشتان بين يوميات توثّقين بها أحداثك الشخصية، وبين رواية تختلقين فيها عالماً من خيال خالص أو مشوب بشيء من الحقيقة، وشتان بين نص اليوميات القصير الذي يحكي أحداثاً جرت في إطار زمني صغير، بأقل الأساليب تعقيداً وأسهلها منالاً، وبين النص الرواية الطويل الذي تتضافر فيه اللغة القوية والحبكة القوية والتدفق الذكي للكلمات، بشكل يمسك بتلابيب القارئ حتى يستوفي قراءة عشرات وعشرات من الصفحات!

وشتان بين يوميات لا يخرج إطارها عن حياتك، ولا عن أفكارك، وبين رواية قد تتقمصين فيها دور إنسان لا تتفقين معه على شيء، ويجب أن تحسني التقمص وتتقنيه.

وشتان بين يوميات تكتبينها عادةً لنفسك، وروايةٍ تكتبينها لجمهور عريض.. في عالم مكتظ بالروايات، ومتشبع من الأسماء الجديدة التي تقدم كثيراً من الحصى وقليلاً من الدرر.

والفوارق لا تقتصر على هذا، ولا أريد أن أطيل، لأن الحديث لم ينته بعد، ولدي ما أود قوله لك بعد هذه الفقرة أيضاً.

لا أقول لك هذا يا ريم كي أحبطك، بل لكي تستعدي لخوض رحلة طويلة من التعلم والقراءة والمحاولة، حتى تكتبي الرواية التي تليق بك..حتى تقتحمي عقباتٍ إذا نجح في اقتحامها كاتب اليوميات صار مؤهلاً ليكون روائياً.. وسأسردها لك أدناه:

  1. الخروج من أسر الكتابة للذات إلى عالم الكتابة للآخرين.
  2. الانتقال من الكتابة البسيطة السهلة الضحلة إلى كتابة معقدة صعبة عميقة.
  3. التحول من دور “المصوّر” الذي يلتقط ما يحدث في العالم إلى دور “الرسّام” الذي يختلق عالماً من خيال.
  4. الاتساع.. من شخص يعبر عن نفسه، إلى شخص يعبر عن غيره، عن أبطال الرواية، وعن القراء المتباينين.
  5. الشجاعة.. التي تجعل المرء مستعداً لأن يعرض لغته وخياله وعقله ومحاولته على الناس، فيرميه الناس بالفاكهة حيناً، وبالورد حيناً، وبالحصى حيناً.
  6. التأقلم مع حالة الانكشاف للآخرين، حيث يتسرب إلى روايتك -ولا بد- مقدار معتبر من نفسك، وشخصيتك، وتفضيلاتك..
  7. التعلم لأشياء كثيرة: اختلاق الشخصيات، وإدارة الحبكة، وكتابة الحوار، وغير ذلك.

هل أنت مقتنعة الان أن الرحلة طويلة، وأنها تقتضي جداً وعزماً صادقاً؟ هل لا تزالين عازمة؟

استمري في القراءة إذن:

 

كيف يصبح كاتب اليوميات روائيا؟

أولا: اقرئي كثيراً كثيراً:

أقول لطلابي في رحلة الكتابة: “كاتب لا يقرأ = مصلٍّ لا يتوضأ”، القراءة ضرورة لك إن كنت تكتبين، وهي ضرورة ملحة لك إن كنت تريدين أن تكوني روائية.

فالقراءة تبني لغتك، وتوسع من خبرتك في تلقي المفردات والأساليب والتراكيب المختلفة، وتجعلك أقدر على أن تنتقي الكلمة الملائمة، وتكتبي الجملة الصحيحة والفقرة الأنيقة. وهي تزيدك وعياً بطريقة تركيب هياكل الروايات المختلفة، وتضع تحت تصرفك مكتبة كبيرة من الشخصيات المختلقة من أجل الروايات، تطالعين كيف صُنعت، وعلى أي طريقة بنيت، وكيف تصرفت.. والقراءة تطلعك على ما لذ وطاب من صور الوصف الجميل، والحوار المشوق، وتخبئة الأفكار تحت دثار السرد الممتع، كما أنها تضعك في موضع القارئ الذي ستكتبين له ذات يوم.

وعليك أن تقسمي القراءة ثلاثة أثلاث:

الأول: القراءة التي تجعلك أكثر وعياً بالرواية. وأعني بذلك: قراءة الروايات، وقراءة ما يتعلق بنقد الرواية، وقراءة تجارب الكتاب الروائيين ومقابلاتهم الإعلامية وسيرهم الذاتية.

الثاني: القراءة التي تجعلك أكثر تمكناً من اللغة، كقراءة القرآن الكريم والسنة المطهرة، والشعر، والنثر الفني، وكتب الحكمة والأمثال والأخبار، ونتاج الأدباء المتمكنين من ناصية اللغة.

الثالث: القراءة التي تجعلك أنتِ. أي: التي تضيف لمعرفتك العامة والمتخصصة، وفهمك لنفسك وللعالم.

والاستغراق في تفصيل كل ثلث من هذه الأثلاث سيجعل هذه التدوينة طويلة طولاً مفرطاً، ولعل الله يهيئ الأسباب مستقبلاً لتدوينة تفصل هذا الباب تفصيلا شافيا.

واجعلي النصيب الأكبر من قراءاتك لما تشعرين بالاحتياج الأكبر إليه، كيما تكون قدرتك اللغوية، وقدرتك الفنية، وقدرتك المعرفية، على درجة حسنةٍ من الاتساق.

ثانيا: اكتبي كتابة مختلفة:

أخرجي قلمك من منطقة راحته، واجعلي ذلك يجري بهدوء.. والذي أفضله لك: أن تشرعي بتطوير طريقة كتابتك ليومياتك، بحيث تجربين في هذه اليوميات حيلاً وطرائق مستفادة من قراءاتك في الرواية أو في اللغة والأدب.

ثم بوسعك أن تجربي صوراً كثيرة من تمرينات الكتابة الإبداعية.. كأن تمرني قلمك على الملاحظة الدقيقة والمراقبة الفاحصة، وكأن تعيدي كتابة قصص معينة بحيث تتغير نهاياتها، وكأن تحولي خبراً صحفياً بارداً إلى قصة حية، وكأن تعودي إلى نص خامل فتنشّطيه وتجعليه يرقص ويهتز… وغير ذلك.. أجيلي قلمك في غابة الكتابة الواسعة.. واجعلي ذلك في مشروعات قصيرة الأمد كثيرة العدد، أقدم هذه التوصية مراراً لطلابي في “رحلة الكتابة”، ومن وضعها منهم موضع التنفيذ شعر بأثرها الكبير في تحسين قدرته الكتابية. وأنت أيضا، ستقوي هذه التمرينات الصغيرة عضلات قلمك تقويةً تحمدين أثرها إن شاء الله.

 

ثالثا: تعلمي تقنيات كتابة الرواية:

ولن تعدمي -إن كنت حريصة- مدربين ومدربات مختصين بهذا الجانب، من أصحاب التجربة الروائية والسابقة في مجال الرواية ونقدها، هؤلاء سيقربون لك البعيد، ويعلّمونك كيف تنفذين مشروع كتابة الرواية.. ويعلمونك أشياء لا أعرفها، مثل بناء الحبكة بما فيها من بداية وذروة وخاتمة وصراعات ونقاط تحول وغير ذلك، ومثل اختلاق الشخصيات بسماتها الجسدية والنفسية ودوافعها المتعددة، ومثل تقنيات السرد الكثيرة، كالتلاعب بالزمن، والرؤية السردية، واستخدام الحوار، والتفنن في الوصف، وغير ذلك مما سيقدمه لك المدربون.

 

رابعاً وأخيرا: خوضي تجربتك الروائية الأولى:

وليس الغرض من خوض التجربة الروائية الأولى أن تكتبي رواية صالحة للنشر منذ الضربة الأولى، ولكن الغرض أن تصنعي أنموذج محاكاة، يعزز ثقتك بقلمك، ويكشف لك عن الثغرات التي تحتاجين إلى سدّها، على صعيد الأسلوب، أو بناء الحبكات والعقد، أو صياغة الشخصيات، أو الحوارات، أو غير ذلك من تفاصيل الصنعة الروائية.

وربما كانت الثغرة التي ستجدينها خارج الإطار الفني البحت، أعني أنه قد تكون مشكلتك الكبرى هي النفس القصير، والملل السريع، والعجز عن خوض مشروع كتابة رواية، وهو أشبه شيء بخوض سباق المسافات الطويلة.

وبعد أن تكتشفي الثغرات في مشروع روايتك؛ سيكون من حسن الطالع أن تستعدي للجولة القادمة بما تستحقه من التعلم والتأهيل والاستعداد.. ولهذا حديث طويلٌ آخر، لكن أرجو أن تكون هذه الخطوات الأربع جواباً كافياً للبداية، وأن تفتح لك السبيل إلى رحلة التحول من كاتبة لليوميات إلى كاتبة للرواية. بالتوفيق.

عبدالله بن عمر

كاتب، ومدرس كتابة

التعليقات 3

  1. وسن

    أستاذ عبدالله هذه التدوينة أقرأها للمرة الثالثة، ويا للعجب كيف أن الدهشة تزداد في كل قراءة! بدلا من أن يحدث العكس.سلمت يدك وأبقى الله قلمك عامرا شابا.

    الرد
  2. إيثار

    جزاك الله خيرا أستاذ عبدالله.
    أطالب بإعادة كتابة الرواية لأني أحببت الفكرة

    الرد
  3. شهامة الراس

    نصائح ثرية زاغمة بالفائدة .شكرا أستاذ عبد الله ..
    وبالشامي ( نيالنا عليك )

    الرد

ابحث

اكتشاف المزيد من عبدالله بن عمر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading