أنت تعرف -غالباً- أني أقدم برنامج “رحلة الكتابة” لمساعدة الكاتب على تطوير قدراته الكتابية، وأريد الآن أن أحدثك عن “رحلتي” مع هذه الرحلة، عن السياق الذي ظهرت فيه هذه الرحلة، وعن بعض الحكايات الشخصية المرافقة لهذه المسيرة، وعن بعض الأمور التي تغيّرت بعدما انطلقتُ في بناء عملي التدريبي.
دعني أسرد عليك القصة ابنداءً من عشر سنوات سابقة.. القصة طويلة بما يجعلها تستحق مقدمة قصيرة! هيا بنا!
في العام ٢٠١٤ كنت إنساناً مشتت العزمات، متعدد الاهتمامات، موزع العقل والعضلات والقلب بين العمل التربوي، والتدريب على العمل التطوعي، والقراءة في الأدب وعلم الاجتماع وشؤون مختلفة أخرى، والعمل في الإذاعة، والإمامة في المساجد، والتدريس في الحلقات، والكتابة الحرة لصالح جهات مختلفة.
في العام ٢٠١٥ كنتُ قد حزمتُ أمري وقررت أن أجعل صناعة الكتّاب المساحة الوحيدةَ لعملي وتركيزي واشتغالي، بعدما كانت هناك مزاحِمات كثيرة وحيرة أكبر بشأن المستقبل، وشرعتُ في رحلة غوص لذيذ في عالم الكتّآب وتجاربهم.
في العام ٢٠١٦ كنتُ أمضي عامة وقتي بالمكتبة المركزية في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، أقرأ وأبحث وأطالع في مجال الكتابة، أي: نفس ما كنت أفعله في العام السابق، وما سأفعله في العام اللاحق أيضاً..
في العام ٢٠١٧ كنت على حالي السابق، أغوص في بحار الكتابة، أحاول فهم الكتّآب المعاصرين بشكل أخص: لماذا يكتبون، وكيف، وكيف بدؤوا، وكيف واجهوا عذابات الكتابة ومشقاتها.. وقد وضعتني نصيحة صادقة من أستاذ قدير في موضعٍ مختلف، فانتقلت من وضع الراهب القارئ إلى وضع المحاضر المتحدث عن الكتابة، في سلسلة من الفعاليات التي استضافتها مشكورةً مكتبةُ الملك فهد العامة بجدة.
في نهايات العام ٢٠١٧ غادرتُ إلى تركيا، حللت بإسطنبول ابتداءً، بعد أيام قليلة؛ وجدتُني في أنقرة، ومكثت بها ثمانية أشهر أدرس اللغة التركية.
في العام ٢٠١٨ غادرت أنقرة إلى إسطنبول، أخذتُ أنسج خيوط علاقات جديدة في الأستانة، وأخذت هي تنسج لي الشباك وتنصب لي الفخاخ.
في العام ٢٠١٩ كانت أضخم صدمة في حياتي، انتقل والدي إلى رحمة الله، وأمضيت ذلك العام عالقاً في إسطنبول، أريد لأغادرها ولا أستطيع، علقت في إسطنبول، مع إمكان البقاء على قيد الحياة، في وظيفة تتيح لي القوت والمأوى.
في العام ٢٠٢٠ جاء الوباء، فخسرت معه الكثير ثم خرجت رابحاً! أغلق الوباء المتاجر والمقاهي والمدارس والجامعات، بل والمساجد، وكان من جملة ما أغلق: المكتب الذي كنتُ أعمل به، وقد تبين لي بعد شهور أن ذلك المكتب قد انطفأت جذوته إلى الأبد، وكان عليّ أن أبحث عن مورد للرزق وعن مكان للسكن أيضا.
تباشير التحوّل:
لكن قبل ذلك، وفي أثناء فترة الإغلاق، كان أمر ما يحدث.. تواصل معي أحد الأصدقاء، وطلب مني تقديم برنامج عن الكتابة لنخبة من أفراد عائلته، كنت وقتها حبيس البيت كما هم بقية البشر، وكان عليّ أن أجد شيئاً يعدل كفة الميزان الطائشة بين ضيق المكان وسعة الزمان.
رجعت إلى ركام قصاصاتي القديمة وإلى مكتبتي الصغيرة التي تسبح كتبها في فَلك الكتابة، وأخذتُ أعدّ مادة البرنامج التدريبي، وأقدّمها لتلك العائلة في لقاءات متوالية، يفصل بين اللقاء وأخيه بضعة أيام، أطلقت على ذلك البرنامج اسم “قلم ١٠١”.
كانت مادة موفقة، وكانت انطباعات الحضور جميلة، ولأن صديقي من عائلة مقتدرة ذات تفكير ريادي، وهو نفسه رائد أعمال، فقد أخبرني أن البرنامج يمكن طرحه منتجاً تدريبيا للجمهور، وكان مستعداً لتقديم العون في تحويل هذا البرنامج إلى سلعة والشراكة فيه بحيث أتولى أنا جانب التدريب ويتولى هو الشق التسويقي، لكن الأمر لم يحدث لترددي في خوض تجربة بهذا القدر من الاختلاف عما كنت أعرف وأعهد..
وسرعان ما مرت الأيام، وعدت أواجه واقع العيش في إسطنبول بعد تخفيف إجراءات الإغلاق الصارمة.
دارٌ جديدة.. مدينة جديدة:
حين تشاهد فلماً، قد يحدث أن تجد البطل في مأزق لا فكاك منه، أقرب إلى اليأس، كل شيء حوله يتداعى، يشعر بالخذلان والوهن، يكاد أن ينهزم.. تلك اللحظة كانت لحظتي في النصف الثاني من العام ٢٠٢٠ -مع استثناء اليأس الذي أعوذ بالله أن أكون من أهله.
كنتُ بلا عمل، وسأصبح عما قريب بلا مأوى، كنت ضيق الصدر من إسطنبول، وكنتُ فوق ذلك أواجه معضلة! فقد صدر قرار من الحكومة بعدم تجديد تصاريح الإقامة لفئات من الأجانب، وكان القرار يشملني، ولم يكن وقعه سهلاً علي، إذ كنتُ لا أعرف إلى أين أتجه لو أجبرت على مغادرة تركيا؟ ولا ما أصنع في المكان الذي سأتجه إليه؟ ولا كيف أتدبر مصاريفي في مكان جديد!
في تلك الأثناء، دعاني صديق إلى رحلة صغيرة، رافقته إلى منزل عائلته في بلدة “شينارجيك” الواقعة بولاية “يالوڤا” القريبة من إسطنبول، أمضيت يومين في ضيافته، تعرفت على والديه وعلى جده وعمه وبقية الأسرة.
وفي الليلة الثانية من ليالينا في تلك البلدة الهادئة وُلِدت فكرة! لماذا لا أنتقل للعيش في “يالوڤا”؟
صباح اليوم التالي؛ أخذني والد صديقي إلى صديق له يعمل سمسار عقار في مركز ولاية “يالوڤا”، أراني شقة جديدة صغيرة، تتكون من غرفتين وصالة ومطبخ ودورة مياه، في حي هادئ شديد الهدوء، وبثمن زهيد، أعجبتني الشقة، اكتريتها، وخلال أيامٍ قليلةٍ كنتُ واحداً من سكان يالوڤا.
أمضيتُ ليلتي الأولى في تلك الشقة، ليس معي إلا حقيبة ملابس صغيرة، وبضعة صناديق متخمة كتباً، ووسادة وفراش للنوم. كان في المطبخ ثلاجة خالية، وفي الحمام غسالة ملابس، وفي الرأس ألف عاصفة! كم سأظلّ في هذه الشقة قبل أن تقول لي الحكومة: اخرج من تركيا كلها فلن نجدد لك إذن الإقامة؟! شهراً أو اثنين؟ لا أدري! ولكن، وفي محاولة للشعور بشيء من الاستقرار واليقين، شرعت بتأثيث شقتي، فعل من هو على يقين من طول المقام بها لأعوام طوال!
وأخذت أتساءل: من أين أعيش؟ كيف أدبّر لنفسي مصدر دخل؟ وكما يفعل أي تاجر مفلس، عدتُ إلى دفاتري القديمة، فوجدتُ أن كل الوقت الذي أمضيتُه في إسطنبول ألهث وراء ما يبقيني على قيد الحياة وحسب، إنما هو وقت مستقطع.. حجبني عن الهم الذي انصرفت له منذ عام ٢٠١٥: الكتابة، وتقديمها للناس.
تذكرت المشروع الذي أطلقته في جدة، لكنه تعثّر ومات، مشروع ريادي لتعليم الكتابة وجمع المهتمين بها. سافرت إلى تركيا وعصفت الطوارئ بذلك المشروع حتى اندثر، والآن وجدتُني أقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون! هذا ما سأفعله! سأعلم الناس أن يكتبوا، وسأجني قوت يومي من وراء ذلك إن شاء الله.
رحلة التحوّل إلى صاحب عمل حر:
نويت ذلك، وأعلنت عنه على إنستغرام، فقيّض الله لي في ذلك التوقيت الحرج مدرباً عرض عليّ أن يساعدني في تأسيس مشروعي الشخصي لتعليم الكتابة، وفق محدداتٍ مغرية قدمها لي، قبلتُ على الفور، وبدأنا رحلةَ التحضير لبرنامج “رحلة الكتابة”.
سأتولى -بإشراف من مدربي- التسويق لبرنامجي، وأجهّز له بنيته التقنية والتسويقية، وهذا يعني أني سأخوض رحلة تعلم.. سأحدد أهدافي المالية، وأجدول حياتي، وأحدد تخصصي، وأجذب عملائي، وأصنع لهم محتوى مختلفاً، وأبيع لهم برنامجي.
استغرقت عملية التحول هذه نحواً من ثلاثة أشهر، كنت فيها جليس الحاسوب، وكان هو أنيسي، ظهرت هالات سود تحت عيني من فرط السهر والإجهاد، أصبحت “باندا”، كنت أعمل كالأخطبوط تقريباً، أواجه عقبات وحواجز بعضها تقني، وكثير منها نفسي، أنا ابن حلقات التحفيظ والمراكز الصيفية والعمل التطوعي، ما لي وللبيع والتسويق؟! لم يكن الأمر سهلاً علي، اجتهد معي مدربي كثيراً قبل إطلاق برنامجي وأثناءه وبعده. لحظة الإعلان عن برنامج “رحلة الكتابة” كانت لحظة فارقة، ملأى بالشك والارتياب، لم أتوقع أن يسجل إلا بضعة نفر، لكن جدول الاتصالات امتلأ لعدة أسابيع! (يقتضي البرنامج أن أجري مكالمةً استكشافية مع كل راغب في الالتحاق به).. كان الأمر مدهشاً جداً، وأكثر من جداً. غرقت في بحر الاتصالات الاستكشافية، بدأت التدريب، استقبلت الدفعة الأولى، فالثانية، فالثالثة.. وتوالت الدفعات حتى صارت ٢١ دفعة بفضل الله وقت كتابة هذه الحروف.
وأنا أعد البرنامج التدريبي، كانت عيناي تترقبان رسالة من إدارة الهجرة التركية، كانت ستكون رسالة حاسمة: هل عليّ أن أكمل سنة إضافية في تركيا؟ أم علي أن أنصرف إلى مكان آخر من أرض الله الواسعة؟ إن كان من حافز ضخمٍ إلى إنجاز هذا البرنامج وإطلاقه؛ فإنه هذا الوضع الصعب الذي أحياه! شاب عاطل عن العمل، متشكك في إمكان البقاء في الدولة التي هو فيها، ومهدد بوجوب المغادرة في أي لحظة!
ما هو الحل المثالي لإنسان في هذه الحال؟ سأخبرك: الحل المثالي هو أن يجد هذا الإنسان عملاً يدر عليه القوت، عملاً يمكن أداؤه من أي مكان فيه إنترنت! وهكذا، لم يكن العمل على بناء مشروعي التدريبي مجرد خطوة لتحسين الحياة، بل كان خطوةً لا بد منها.
بعد شهور من الترقب والانتظار، جاءتني رسالة من إدارة الهجرة، تفيد بأن بوسعي البقاء في تركيا لعامين آخرين! كان ذلك فتحاً، ونويتُ أن أمضي في تركيا عامين أو أقل، ثم أغادر إلى مكان غيرها من أرض الله الواسعة.
أعترف لك، كانت أحلامي عريضةً جداً وأنا أعمل من أجل بناء البرنامج، وكانت تجربة حياة “الرحّل الرقميين” واحدة من تلك الأحلام، لكن الشهور التي أمضيتها في منزلي ببلدة “يالوڤا” الوادعة الصغيرة صيّرتني إنساناً يكره أن يغادر المنزل إلا لضرورة قاهرة! حتى إني قلت مرة لصديق في تلك الأيام: أنا أذهب إلى الجامع لسبب واحد، هو أنه لا يمكن للجامع أن يُرسل إلى بيتي بواحد من تطبيقات التوصيل!
كنت أمضي ١٨ ساعة وأكثر من كل يوم تقريباً، أكتب، وأقرأ، وأتعلم أشياء لم أكن أعرف بوجودها في هذا العالم، وأثمر الغرس بحمد الله، وانطلقت “رحلة الكتابة”، ونالتها نوبات من التحسين والتطوير في سنوات ثلاث هي عمرها حتى الآن.
أتاحت لي طريقة العمل الحر الرقمي أن أتحرك بحريّة -إلى حد بعيد-، حضرتُ لقاءات من هذا البرنامج في أماكن مختلفة، في مدن عدة بتركيا، في كوالالمبور وملاكا بماليزيا، في أديس أبابا بإثيوبيا، في إنجمينا بتشاد، في الرباط والمحمدية بالمغرب، في مسقط بسلطنة عمان، لم آخذ إجازة من رحلة الكتابة إلا لثلاثة أسابيع في عام ٢٠٢١ كانت هي “شهر العسل” الذي أتيح لي أن أختطفه في بداية مشوار الحياة الزوجية.
صارت “رحلة الكتابة” هي جدولي، وحياتي العملية، وقسطاً ضخماً من حياتي الاجتماعية كذلك، تعرفت في داخلها إلى قوم من أنبل الناس وأنقاهم وأجملهم، وتشكلت لي أثناء هذه الرحلة صداقات واسعة، وأفدتُ كثيراً من أولئك الكرام الذين التحقوا بالبرنامج، ولا أزال أتعلم منهم ومعهم مزيداً في كل يوم.
ماذا أفادتني هذه التجربة؟
إذا أراد الله لك شيئاً هيّأ أسبابه -التي قد لا تعجبك-:
لم أتخل عن وظيفتي في عام ٢٠٢٠ طوعاً، بل أُجبرت على تركها، ولم أتخلّ عن المسكن الذي كنت أعيش به راغباً، بل كان لا بد من مغادرته. ولم يكن العيش في حال من الشك والريبة بشأن استقراري في تركيا أمراً محبباً إلى نفسي، لكن كل ذلك كان سياقاً وجدتُ نفسي فيه مضطراً إلى خوض عالم التفرغ على تقديم ورشات رحلة الكتابة، وهو سياق هيأه الله وأعدّه لي بلطفه، إن ربي لطيف لما يشاء!
هذه الرحلة، بكل معالمها وتياسيرها كانت من لطف الله وعونه ورحمته، ورأيت فيها من فضله ما أنا عاجز عن شكره! لقد آواني الله بعدما كنت أوشك أن أكون في حكم الطريد، وكفاني بعدما بدت لي مخايل العوز وأمارات الفاقة، وطمأنني في مقامي بعدما جرعت كأس الحيرة بشأن بلد المُقام، فالحمد لله كثيراً.
هيأ الله لي: الظروف الدافعة إلى العمل خارج إطار المألوف والمريح، والعائلة التي قدّمتُ لها نواة “رحلة الكتابة” دون تخطيط أو قصد مسبق، والصديق الذي تهيأت لي بجهده تلك الدار التي أمضيت فيها عاماً في مدينة “يالوڤا”، والمدرب الذي انتقلتُ برفقته من حال إلى حال أخرى، والنشاط السابق في وسائط التواصل الاجتماعي الذي سهّل لي عملية الانطلاق في حقل التدريب مستنداً إلى قاعدة جيدة من المتابعين، فله الحمد في الآخرة والأولى، وهو المسؤول أن يوزعني شكر نعمته التي أنعم علي، وأن يزيدني من فضله الواسع.
الإنسان النامي إنسان متعلم:
الحق أقول لك: لم أكن إنساناً صالحاً للعمل الريادي الذي صرت من أهله دون أن أدرك ذلك! لكني وجدتُني أخوض رحلةَ تعلّم وتحوّل كان محالاً أن أخرج منها وأنا نفس الإنسان الذي دخلها، لقد تغيّرت نظرتي إلى أشياء مختلفة في هذه الدنيا.
كنتُ لا أحب أن أكون في وضع البائع، ولا أزال كذلك بالمناسبة، لكني صرتُ أقوم بدور البائع كلما كان ذلك ضرورياً، وصارت حساسيتي تجاه العمل بائعاً تقلّ مع الوقت.
كنت موظفاً، وكنتُ مقاولاً، أعمل بالقطعة لصالح جهات متعددة، وأتعاون مع جهات أخرى، لكني لم أكن صاحب العمل برمّته قبل هذه التجربة، والحقيقة أنها تجربة ذاتُ معنى، لكن ثقل المسؤولية فيها أمر لا يمكن وصفه!
كنت لا أستسيغ فكرة الغرق في العمل لساعات طوال، يوماً بعد يوم، أسبوعاً تلو أسبوع، شهراً إثر شهر، لكني فعلت ذلك، سهرت الليالي، أنجزتُ أشياء جيدة، تكيّفت مع الملل والإرهاق، وألفتُ حالة العمل في مجالات لا أحبها، وتعلم أشياء لا أعرفها.
وصرتُ أكثر فاعلية، أوضح استقلالاً، أبعد طموحاً، وشعرتُ -أكثر وأكثر- بشيء من الجدارة، ووعيتُ -أكثر وأكثر- بما ينقصني، وما يجب عليّ السعي لتعلمه، وهذا بابٌ طويل عريض من أبواب الكتابة، ربما حدثتك عنه في تدوينة لاحقة.
لقد تعلمت في هذه الرحلة من معلمين كثر، منهم الأساتذة، والأصدقاء، والمستشارون، والزملاء، والتلاميذ، ولا أزال أشعر حتى يوم الناس هذا، أن التعلّم رحلة مديدة نهايتها سعيدة، وأن إدمان التعلم شيء حسن ما دام يؤدي إلى عمل حسن.
الراحة الذهنية والفكرية خطرة جداً:
من الوصايا التي قرأتها وأفادتني: “غادر منطقة الراحة”، وهي المنطقة التي لا يشعر المرء فيها بالتحدي، لأنه لا يشعر بالألم ولا يواجه أشياء غير مألوفة. ولقد ظننت أني عشت حياتي وأنا أغادر منطقة الراحة، ولديّ أدلة على ذلك! فقد غادرت موطن الطفولة والصبا والشباب إلى المجهول مرة، ثم مرةً أخرى! ولقد خضت مساحات من العمل جديدةً علي، على مدار حياتي العملية، واعياً بالتحدي وقابلاً لمغادرة منطقة الراحة، ولقد عشت سنوات من عمري دون دخل مضمون ثابت، بل كنتُ مقاولاً ومتعاوناً وحسب.
لكن الذي كشفه لي العمل على تأسيس عملي التدريبي: أني لم أغادر كل مناطق الراحة، وأنّ من مناطق الراحة التي لم أجرب مغادرتها: مناطق الراحة الذهنية، وتعريفي لحدود استطاعتي، جعلتني بعض قناعاتي ومعتقداتي عن نفسي رنساناً أقل ثقة بذاته، مقتنعاً بأن هناك ما لا يصلح له من الأعمال والأوضاع الاجتماعية والمالية، متوهماً أنه ما من داع لوضع هذه القناعات تحت مجهر الابتلاء والتمحيص!
وكانت بعض جوانب العمل الريادي دافعاً لي إلى اكتشاف معتقدات كنت أعتقدها عن نفسي، وكنت أظنها غير قابلة للزحزحة ولا التحريك! والواقع مغاير للتوقع إلى مدى بعيد! ربما أكتب لك ذات يوم عن هذه القناعات التي واجهتُها -ونجحت في تغيير بعضها بفضل الله، ونجحت في عدم تغيير بعضها الآخر بفضل الله- أثناء رحلتي مع رحلة الكتابة.
العمل لا بد منه، لكن هناك بد من كثير من قيوده:
ما هو تخيّلك للعمل؟ مكان تذهب إليه صباحاً، وتؤدي فيه دوراً مرسوماً لك، وتعود منه عصراً، وتتسلم منه راتباً نهاية الشهر؟ هذا أمر جربته بصيغ مختلفة، ودائماً ما كانت هناك قيودٌ لا أفهمها أو لا أستطيع التعايش معها.
مثلاً: كنت موظفاً في جهة تصدر أشياء كثيرة من بينها مجلة، وصدر قرار بوقف تلك المجلة إلى أجل غير مسمى، وبعد ذلك ألزمني مدير الشؤون المالية أن أحضُر إلى المكتب ثماني ساعاتٍ كل يوم، في مجلةٍ كان إصدارها قد توقف، وقد كنتُ أحضر أقلّ من ذلك الوقت لما كانت المجلة قائمة على أصولها تثمر عدداً جديداً في توقيته! أقسم لك بالله! كنت أحضر كل يوم، ولا يهم المدير المحترم من شأني إلا أن أثبت له أني دخلتُ في وقت الدخول وخرجت في وقت الخروج، ولم يكن هناك عمل يمكن القيام به أصلاً، لأن مجلتنا كانت موقوفة عن العمل مؤقتاً! كان ذلك من عجائب ما عشته. كنت أحضر، وأنجز في المكتب كل ما لم أستطع إنجازه في البيت: قراءة، كتابة، نوم أحياناً، وجربت أن أحضر وأضع البطاقة في مؤقت الحضور والانصراف، ثم أخرج لأزور صديقاً لي يسكن قريباً من المكتب، وأجلس عنده في مكتبته نتجادب أطراف الحديث ثم أعود إلى المكتب وقت نهاية الدوام وأضع تلك البطاقة نفسها في المؤقت نفسه وأذهب. كان ذلك قيداً لا معنى له، كان يمكن للعمل أن يُربط بالإنجاز، وكان يمكن أن أُحوّل إلى إدارة أخرى نشطة لأساعد في نشاطها، وكان يمكن أن أُمنحَ إجازة بدون راتب أو بنصف راتب، لكن المدير كان يفهم عن العمل شيئاً لم أفهمه ولن أفهمه مستقبلاً على الأرجح! هذا قيد من قيود العمل: الحضور والانصراف! في مكان محدد وزمان محدد..
هل يمكن المرء أن يعمل ويجني قوته دون أن يكون ملزماً بالحضور والانصراف؟ نعم. كنت أطمح إلى عمل كهذا، وقد نلتُه بفضل الله، عمل يعتمد على الإنجاز، والإنجاز وحده، أذهب إلى مكان العمل حين يتطلب الأمر ذلك، وبس! ويُنجز العمل ولا تنطبق السماء على الأرض رغم أني لم أرابط في المكتب.
سؤال آخر، هل يمكن المرءَ أن يعمل من أي مكان؟ أن ينجز عمله دون أن يكون موقعه الجغرافي عائقاً بينه وبين العمل؟ هل يمكن للمرء أن يعمل ويكون العالم كله مكان عمله؟ لما عرفتُ أن هذا ممكن، وأن هناك قوماً يعملون على هذا النحو حقيقةً لا خيالاً، تمنيت أن أكون منهم، ثم خططت لأكون منهم، لكن خططي ذهبت أدراج الرياح، بعد ذلك أجبرتني الظروف إجباراً على أن أكون مشروع رحالة رقمي! أنا اليومَ قادر على إنجاز عملي من أي مكان في العالم يوجد فيه كهرباء وإنترنت.
لكنّ قدراً كبيراً من عملي لا يزال حتى الآن مقيداً بقيود الزمان وإن تحرر من قيود المكان، وهذا أمرٌ يمكن تجاوزه لكن بعد قطع مراحل معينة من العمل في مستقبل قريب إن شاء الله.
كانت هذه إطلالة على رحلتي مع رحلة الكتابة، لم أقل فيها كل شيء، فقد غابت عن ذهني أشياء، وكلّ ساعدي عن كتابة أشياء أخرى، وهذا أمر جميل، لأنه يعني أن بوسعي كتابة جزء مكمل لهذه التدوينة ذات يوم إن شاء الله، لكني أفكر أن أحدثك في تدوينة قادمة عن حكايتي مع مهارة التدريب، كيف اكتسبتها، وأين صقلتها، وكيف كانت تجربتي معها؟ أحسب أنها تجربة قابلةٌ لأن تحكى، وفيها إمتاع ومؤانسة، وربما شيء من العبر!
- سيعجبك أيضاً
جميل يا أستاذ عبدالله، إستمر بالكتابة و نحن مستمرين بالقراءة 😄
شكراً لك عمار، يبدو لي أنك القارئ الوحيد 🙂 هذا يسعدني حقيقةً.. أشكرك من جديد وأرجو أن نلتقي قريباً..
كل التوفيق .. وارجو الله تعالى لك الترقي في مجال الكتابة دائما.
السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ اخ عبدالله
كنت اتابع قناتك على اليوتيوب قبل خمس سنوات، ثم اختفيتَ فجأة، ولم اعرف انك على قيد الحياة إلا هذه الليلة حين احضرت لي خوارزميات اليوتيوب مقابلتك في حكايات إفريقية، او لم نستحق منك مقطعاً على اليوتيوب تفسر لنا غيابك، ام انك افترضت اننا نرجم بالغيب.
دلني على رابطٍ يعرفني على آخر اخبارك، وهل مازلت في تركيا.
حفظك الله
متابعك السابق المحب الدكتور نبيل ابوزيد